one


الأستــاذ الجليل، إدريس بن زكري، تحية طيبة وبعـــد

في البداية أتمنى أن تتغمد روحك الرحمة والخير والبركات، وأن تحفك الملائكة رحكمة لذكراك الطيبة، في تراب وطني، الذي سقته دماء الشهداء والمناضلين والرجال الذين ضحوا لتشرق الشمس من جديد بعد عقود من الحمر والرصاص الذي ترك أرامل وأمهات بلا أبناء

وطنـــــي اليــوم سعيد جدا لأنه أنجب رجلا مثلــك، رجل قضى عمره في سبيل فكرة المصالحة، وطي الصفحة، والقدرة على العفو، وتحول العدو إلى صديق، والجلاد/ الحاج/ إلى مواطن صالح، من جديد

العالم صنعته الأفكار، وغيره رجال فقط، وأنت السيد إدريس بن زكري منهــم، ممن ولدوا لصناعة التاريخ، وكتــابة صفحات مهمة من مستقبل المغرب، الذي يفخر اليوم، بأنه البلد العربي والإسلامي الوحيد، الذي امتلك ما يكفي من الجرأة، من أجل تقليب أوجاع الماضي، والتحدث بطلاقة عن ما جرى، وكم كانت اللحة مهمة، والكــاميرا تصور، وتنقل للعالــم صورا، من شهادات على ما وقـــع، في معتقلات ومراكز اختطــاف، ظلت في عالم النسيــان


كانت الفكرة صغيرة جدا، وبدأت تكبر رويدا رويدا مع أيام السنة الرابعة، من المعهد العالي للإعلام والاتصال، في الرباط، كرة إنجاز بحث تخرج عن تجربة المصالحة مع الذات المغربية، مع جراح الصدر العاري، التي تركت بصماتها قوية فوق ترى هذا الوطن، ترى سقاه شباب في مرحلة سياسية بدمائهم، وآمنوا بهذا الوطن حتى النخاع. فكرة وثائقي تلفزيوني بالصوت والصورة للبحث في الماضي، للنبش قليلا في ماضي جراح بثتها "مرحلة" عبر ربوع هذا الوطن، رعبا وخوفا وسجنا بلا أسماء، ووطن يلتهم شبابه لا لشيء سوى لأنهم آمنوا "بفكرة ما"، وقالوا بها. صحيح أن الاختلاف ثقافة، إلا أنه لا يجب أن يدفع صاحبه "أحلى أيام عمره" ضريبة له، لأنه آمن بلينين، أو ستالين، أو ماركس، أو بقافلة المعسكر الشرقي، أو الماوية.

وبدأ النور يزور في اليوم مرة، ومع توالي أيام الاعتقال والاختطاف كانت الزهور تذبل، وكانت صيحات الألم تتصاعد لا تسمعها إلا جدران المعتقل، وحاج يلف في المكان بحثا عن فريسة جديدة ينهش بعضا من إنسانيتها بسوطه بركلاته وبكلامه النابي. المشهد حقا هو فوق كل وصف، حتى الصورة والشهادة مهما بلغت قوتها لا يمكنها أن تقدم ولو جزأ ثانية مما يقال عنه إنه يعاش ولا يحكى


إهداء بعد سبق الإصرار 

هاته "الإلى".. أداة ما أصعبها
توقف القلم في مقدمة السطر
والغصة في الحرقة 

والذكرى في الألم 

ذكرى جميع شهداء الحرية
وضحايا الاختفاء القسري
والاعتقال السياسي
والاختطاف السياسي 

وجميع أمهات الضحايا
ومجهولي المصير 

جدتي الراحلة التي رأيتها
وبسمة عودة ولديها من وراء القضبان
تعلوها فرحا 

وأمي التي رأيتها ذات عامين تبكي أخويها
وتقول: مظلـــومين 

المعتقلين السياسيين السابقين
الخال عبد الصمد
الخال مصطفى 

عادل... الطفل الصغير في دار الصبا
سمع بالاعتقال السياسي
وبالاختطاف
كأنها أسماء لعب للصغار
يصنعها الكبار


last


ولد ادريس بنزكري، عام 1950 بقرية آيت واحي بإقليم الخميسات

حصل على دبلوم الدراسات المعمقة في اللسانيات والآداب من كلية الاداب و العلوم الانسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط عام 1983 ، ثم على دبلوم للدراسات المعمقة في اللسانيات من جامعة إيكس مرسيليا بفرنسا سنة1987 إبان فترة إعتقاله التي لمدة 17 سنة بسبب ارائه السياسية. كما نال شهادة الماجستير في القانون الدولي، تخصص القانون الدولي وحقوق الإنسان، من جامعة إسيكس بانجلترا سنة 1997.

أنجز ادريس بنزكري مجموعة من الأبحاث والدراسات في مجالات مختلفة من بينها، "مهام وأنشطة هيئة الامم المتحدة في إطار مجموعة العمل حول الاختفاء القسري"، و"مسلسل إنشاء المحكمة الجنائية الدولية والتطورات التي شهدها القانون الدولي الجنائي".

عمل في عدد من جمعيات المجتمع المدني حيث تولى منصب نائب رئيس المنضمة المغربية لحقوق الإنسان، و مدير الفضاء الجمعوي، و هو عضو مؤسس للمنتدى المغربي للحقيقة و الإنصاف و أول رئيس له.

عين أمينا عاما للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان في دجنبر 2003 ، حيث لعب دورا أساسيا في إعداد توصية المتعلقة باستكمال تسوية ماضي الإنتهاكات الجسيمة من خلال إنشاء هيئة للحقيقة و الإنصاف و المصالحة.

عين رئيسا لهيئة الإنصاف و المصالحة في يناير 2004، بعد موافقة جلالة الملك محمد السادس حفظه الله على توصية المجلس المذكورة، و لعب دورا طليعيا في وضع الأسس و الفلسفة و التصورات المتعلقة بممارسة مهام هيئة الإنصاف فيما يخص الكشف عن الحقيقة و جبر الآضرار الفردية و الجماعية و ضمانات عدم التكرار و ترسيخ أسس المصالحة و تعزيز المسار الديمقراطي بالبلاد.

عين رئيسا للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان في يوليوز 2005 ،حيث واصل دوره الريادي في متابعة تفعيل توصيات هيئة الإنصاف و المصالحة و وضع التصورات بخصوص باقي برامج المجلس لدعم المكتسبات في مجال النهوض بحقوق الإنسان.

توفي إدريس بنزكري رحمة الله عليه يوم الأحد 20 مايو 2007، بإحدى المصحات بالرباط، بعد مرض عضال.


بعد رحيــل إدريس ين زكري، حتــما، سيــسافر الماضي مستقبلا